الخميس، 18 سبتمبر، 2008

خطوات متأرجحة للانتقال نحو المكتبة الرقمية العربية

في زمن تدفق المعلومات إلكترونيا عبر الإنترنت أو وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة يبدو ذكر المكتبة أشبه بعودة إلى زمن غابر لم تكن الشاشة فيه قد احتلت الصدارة في حياة الأفراد اليومية بعد। فالمكتبة غالبا ما تعيد باحثي اليوم إلى زمن كان يتطلب الكثير من الجهد والوقت لتأمين معلومات حول مواضيع معينة في حين أنهم اليوم غالبا ما يكتفون بالعودة إلى شبكة الانترنت للحصول على المعلومات نفسها أو يكتفون ربما بأقل منها اختصارا للوقت وبسرعة قياسية لا تتعدى سرعة كتابة موضوع البحث في خانة على الشاشة ثم النقر على مفتاح (انتر) . هذا الواقع الجديد في البحث وفي الحصول على المعلومات عبر الإنترنت وإن كان يختصر الكثير من الوقت والجهد إلا أنه يبقى ناقصا أمام دقة التوثيق للمراجع التي تقدمها المكتبة التقليدية. وهو ما يجعل اليوم البحث في تطوير مكتبات رقمية (digital library) تستبدل المكتبات التقليدية أمرا لا بد منه لمواكبة التطور في حفظ المعلومات واسترجاعها وتوثيقها بأحدث الطرق بما يضمن للباحثين الدقة والسرعة في الحصول على المعلومات. لكن الحديث عن المكتبة الرقمية في وطننا العربي دونه الكثير من المعوقات لا سيما إذا لاحظنا أن المكتبات التقليدية ما زالت هي الغالبة كما أن معظمها يفتقر إلى الميكنة وبعضها يستمر في اعتماد التوثيق الورقي لمحتوياته، هذا إن وجدت أصلا. فمهمة الانتقال من العصر اليدوي إلى العصر الرقمي ما زالت في بدايتها وهي محط اهتمام الباحثين في هذا المجال في الوطن العربي في محاولة لتقليص أو حل بعض مشاكلها، كما أن المكتبات العربية تعاني من مشاكل عدة لا سيما في التمويل. وقد أفادت هذه المكتبات من التطور التقني بنسب متفاوتة بحيث أصبح للبعض منها أنظمة إدارة متكاملة في حين اكتفى البعض الآخر بالفهرسة على الحاسب الآلي وبقي بعضها يستخدم نظام البطاقات القديم في التوثيق في حين تسعى مجموعة منها لأن تكون رقمية وهي مجموعة محدودة جدا في الدول العربية. لكن ما الهدف أصلا من التحول من مكتبة تقليدية إلى مكتبة رقمية، وما المكتبة أصلا الرقمية بالمقارنة مع المكتبة الافتراضية أو المكتبة الإلكترونية؟ لا تدل هذه المصطلحات المختلفة بلغة المتخصصين في التوثيق والمكتبات على نوع واحد من المكتبات وإن كان استخدامها يختلط لدى غير المتخصصين. ويوجد مصطلحات عدة في ادبيات المكتبات إلى درجة يصعب حصرها منها (المكتبة بلا أوراق) و (المكتبة المهيبرة) والذكية... وقد تحدثت معظم هذه المصطلحات عن خاصية معينة . وبحسب جمعية المكتبات في أمريكا تم تعريف الفرق بين المصطلحات على الشكل التالي: المكتبة الإلكترونية (electronic library) تستخدم خليطا من التقنيات مع مصادر معلومات تقليدية كالكتب الورقية والإلكترونية كالأقراص المدمجة أو الشبكات المتنوعة. المكتبة الرقمية: تعتمد مصادر رقمية بشكل كامل. وهي ليست وحدة مستقلة بذاتها وتعتمد على روابط لمصادرها كما يتوافر فيها العنصر الإنساني مما يجعلها تتحول من مجرد برنامج حاسوبي ذكي يقدم خدمة معينة إلى قاعدة معلومات تعمد إلى الاستجابة للأسئلة التي تردها من الباحثين. المكتبة الافتراضية:(virtual library) تشكل روابط لعدد من المكتبات الرقمية ومن المؤسسات لتقديم خدمة معينة من دون أن يعرف الباحث بالضرورة أين مصدر الخدمة، وتتم فيها معالجة المعلومات وتخزينها واسترجاعها بالطرق الإلكترونية الحديثة. ونعطي مثالا على المكتبات الرقمية موقع الذاكرة الأمريكية على الانترنت الذي أنتجته مكتبة الكونغرس. ونلفت إلى أن المكتبات الرقمية تتميز في ما بينها فقد تحتوي إحداها مثلا كتبا إلكترونية فقط أو صورا فقط. عوائق تقنية وبشرية أما في الوطن العربي فيواجه انتقال المكتبات من العصر الآلي أو الورقي إلى العصر الرقمي تحديات كبرى لم يتم حتى الآن تخطيها أو معالجتها مما ينعكس سلبا على البحث العلمي الذي تشكل المكتبات عموما عماده. فإذا كانت المكتبات قد أفادت بشكل عام من التطور التقني الذي شهده العالم على مر السنوات الخمسين الماضية فإن صعوبة الانتقال إلى العصر الرقمي اليوم في الدول العربية تكمن في غياب البنية التحتية المطلوبة من أجهزة كومبيوتر وبرمجيات داخل المكتبة كما داخل البلد نفسه غالبا بالاضافة إلى ضعف التمويل والبنية التحتية للاتصال بشكل عام في غالبية الدول العربية التي ما زالت تعتمد نظام الاتصال بالانترنت عبر الهاتف. أما المشكلة الثانية التي تواجه الانتقال إلى العصر الرقمي في المكتبات العربية فتكمن في اللغة نفسها (وفي صعوبة التعامل معها بالنسبة للبرمجيات المنتجة حتى الآن، ذلك أننا لم نصل إلى مرحلة الإنتاج وما زلنا مستهلكين للمعلومة ولكل ما له علاقة بتقنيات المعلومات) . وهناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق المتخصصين في مجال المكتبات لمتابعة ما ينتج في الخارج وتطويعه للمكتبة العربية لأن التساهل في هذا الموضوع سيساهم في زيادة الهوة الرقمية والعلمية بين مجتمعاتنا النامية والمجتمعات المتقدمة . كما نشير إلى أهمية البرامج المفتوحة في إتاحة تنظيم المكتبات الرقمية بكلفة مخفضة إلا أن غالبية هذه البرامج لم تعرب حتى الآن و (هناك محاولة جارية الآن بالتعاون مع اليونيسكو لتعريب برنامج (غرين ستون) المتوافر مجانا على الانترنت. غير أن الوصول إلى نتائج عملية سريعة لا يمكن أن يتم إلا بوجود تعاون بين المؤسسات العلمية لتعريب الانظمة وإتاحتها للمكتبات العربية في اطار استراتيجية ومواصفات واضحة لاستخدام التقنيات المختلفة داخل المكتبات العربية . أما النقطة الثالثة التي تعيق تطور المكتبات العربية نحو الرقمية فهي الإمكانيات شبه المحدودة للقوى العاملة في المكتبات ومراكز المعلومات العربية (لأن معظم العاملين في هذا القطاع اليوم لم يحصلوا على التدريب الكافي للتعاطي مع تقنيات المعلومات المأمول استخدامها . وهنا تكمن أهمية إتاحة الفرص لهؤلاء العاملين للتدريب على وسائل العمل الحديثة من خلال ورش العمل المتخصصة . منافسة الإنترنت إلى ذلك تغيب عن المكتبات في الوطن العربي وحدة المرجعية المسؤولة عن تطويرها، فهي تخضع لسلطات وصاية مختلفة تتوزع غالبا بين وزارات التعليم العالي والتربية والثقافة بالنسبة للمكتبات العامة، أما المكتبات المتخصصة فتتبع لمؤسساتها المختلفة مما يزيد من تنوع المرجعيات في ظل بيروقراطية مستشرية تفاقم المشكلة . وفي ظل انتشار الانترنت واعتماده من قبل الكثيرين للحصول على المعلومات التي يريدونها يبدو كأن الانترنت قد سطا على دور المكتبات التاريخي كمصدر للمعلومات. حتى على المستوى الأكاديمي يستسهل بعض الباحثين اعتماد المعلومات الموجودة على الشبكة مبتعدين عن المكتبات التقليدية ومحتوياتها توفيرا للوقت والجهد. وتعاني المكتبات اليوم من تدني عدد المستفيدين منها بسبب توافر الانترنت وسهولة استخدامه. وبالرغم من أهمية الانترنت في توفير المعلومات إلا أن الشبكة قد لا تحتوي دائما على معلومات ذات مستوى عالٍ مما ينعكس سلبا على مستوى الأبحاث العلمية المعتمدة عليها. وهنا تكمن أهمية تبني فكرة المكتبة الرقمية واعتمادها للإيفاء بمتطلبات الباحثين بأكثر الأشكال التفاعلية الممكنة .
المصدر:
خطوات متأرجحة للانتقال نحو المكتبة الرقمية العربية । الجزيرة (ملحق العالم الرقمي) । ع 110। (الأحد 1 ربيع أول 1426 )
http://www.al-jazirah.com.sa/digimag/10042005/gadeia29.htm

ليست هناك تعليقات: